محمد سعيد رمضان البوطي

198

فقه السيرة ( البوطي )

بالألفاظ فالرذيلة هي حب النظام بشكل مختلف » « 1 » . من أجل هذه الحقيقة لم تستطع الحكومة الأمريكية أن تلتزم بما آمنت به واعتقدت بفائدته يوم أقدمت على تحريم الخمر ومنع مداولتها في المجتمعات والنوادي ، وذلك عام 1933 ، إذ لم تمض سوى فترة وجيزة حتى نكص المفتون على أعقابهم ، وارتدّوا مترنحين من ألم الحرمان فألغوا القانون الذي التزموه وراحوا يعبّون أقداحهم من جديد . . هذا على حين أن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - وهم من هم من الثقافة والمدينة ومعرفة الأضرار والفوائد بالنسبة للأمريكيين اليوم - عمدوا بمجرد أن سمعوا أمر اللّه عز وجل لهم باجتناب الخمر ، إلى دنان الخمر فأراقوها وإلى الأقداح فكسروها ، وارتفعت أصواتهم تقول : انتهينا يا رب انتهينا ! . . والفرق بين الصورتين والواقعتين ، أن ههنا شيئا قد وقر في القلب فكان هواه تبعا لأمر اللّه وأحكامه . هذه المحبة ، بل هذا الهوى المستحوذ على قلوب أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو الذي جعلهم يمدون نحورهم دون نحر رسول اللّه ويعانقون الموت في سبيل حفظ حياته عليه الصلاة والسلام ، وكم في غزوة أحد من المشاهد الرائعة التي تكشف عن أثر هذه المحبة إذ تغمر قلب صاحبها . روى ابن هشام أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه : « من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع أفي الأحياء هو أم في الأموات » ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا أنظر لك يا رسول اللّه ما فعل سعد ، فنظر ، فإذا هو جريح في القتلى وبه رمق ، فقال له : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات ! . . قال : أنا في الأموات ، فأبلغ رسول اللّه عني السلام ، وقل له : إن سعد بن الربيع يقول لك : جزاك اللّه عنا خير ما جزى نبيا عن أمته ، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم : إن سعد بن الربيع يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند اللّه إن خلص إلى نبيكم صلى اللّه عليه وسلم ولكم عين تطرف ، قال الأنصاري : فلم أبرح حتى مات . ويوم تمتلئ أفئدة المسلمين في عصرنا هذا بنحو من هذه المحبة ، بحيث تبعدهم قليلا عن شهواتهم وأنانيتهم ، وتتغلب عليها - أقول : يوم يحدث هذا في أفئدة المسلمين

--> ( 1 ) راجع للتوسع في هذا البحث كتابنا : تجربة التربية الإسلامية في ميزان البحث .